الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

243

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

نفسه بالحط من قدره إلى حد السجود والخضوع لقطعة حجر أو خشب ، وظلم بحق المجتمع الذي يسبب له الشرك والتشتت والتفرق والابتعاد عن روح الوحدة والتوحد . فلا شك إذن في أن أي ظالم - وعلى الأخص أولئك الذين لظلمهم جوانب متعددة - لا يمكن أن يرى السعادة والفلاح : إنه لا يفلح الظالمون . إن لفظة " الشرك " لم ترد صراحة في الآية ، ولكن بأخذ الآيات السابقة واللاحقة لها بنظر الاعتبار التي تدور حول الشرك ، يتضح أن القصد من كلمة " افتراء " هو القول بوجود شريك لله سبحانه . ومما يلفت النظر أن القرآن يصف في خمسة عشر موضعا بعض الناس بأنهم من أظلم الناس في سياق الاستفهام : " ومن أظلم . . . " أو " فمن أظلم . . . " وعلى الرغم من أن معظم تلك الآيات تتناول الشرك وعبادة الأصنام وإنكار آيات الله ، أي أنها تدور حول التوحيد ، فإن بعضا آخر منها يدول حول أمور أخرى ، مثل ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ( 1 ) . وقول سبحانه ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ( 2 ) . هنا يثار هذا السؤال : كيف يمكن أن تكون كل طائفة من هؤلاء أظلم الناس ، في حين أن صفة ( الأظلم ) لا يمكن أن تنطبق إلا على طائفة واحدة منها ؟ نقول في الجواب : كل هذه الحالات تستقي - في الحقيقة - من منبع واحد ، وهو الشرك والكفر والعناد . فمنع الناس من ذكر الله في المساجد والسعي في خرابها دليل على الكفر والشرك ، وكتمان الشهادة أي كتمان الحقائق المؤدي إلى حيرة الناس وضلالهم ، هو معلم من معالم الشرك وإنكار وحدانية الله . الآية التالية تشير إلى مصير المشركين يوم القيامة مبينة أنهم باعتمادهم على

--> 1 - البقرة ، 114 . 2 - البقرة ، 140 .